محمد أبو زهرة

1833

زهرة التفاسير

في هذا النص الكريم إشارة إلى السبب في صلاة الخوف ، وهو ترقب العدو لحال المسلمين ، عساهم يجدون منفذا ينفذون منه إلى صفوفهم ، أو ثغرة يدخلون منها ، أو غفلة ينتهزونها ، فكان الحذر أن تسد عليهم كل المنافذ التي ينفذون منها لتحقيق مآربهم ، فلا يصح للمسلمين أن يغفلوا بالعبادة عن الجهاد ، ولا يتركوا العبادة . ومعنى : وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا تمنى الذين كفروا ، وهم أعداؤكم الذين نصبوا راية العداوة لكم ، أن تأخذكم الغفلة عن أسلحتكم التي بها شوكتكم وقوتكم ، وعن أمتعتكم التي فيها زادكم وبها تستمرون على القتال من غير أن يصيبكم جوع أو عرى . وأنهم يريدون هذه الغفلة ليميلوا بقوتهم وكلكلهم عليكم ، فيكونوا ثقلاء الوطأة ، ويضربونكم الضربة القاصمة الفاصلة ، فيما يتوهمون ويزعمون ! وهذا معنى قوله سبحانه : فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ، أي يثقلون الوطأة عليكم ويضربونكم الضربة المستأصلة في زعمهم ووهمهم ! ! . وفي هذه النصوص كلها نجد الأمر المتكرر بوجوب أخذ الأهبة دائما ، وحمل السلاح باستمرار . ولكن قد يتعسر حمل السلاح ، وهنا يرخص في عدم حمله ، مع أخذ الحذر ، بحيث يكون في مكان قريب ، كي يعمل عند أول صيحة ، ولذا قال سبحانه : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ لا إثم عليكم في أن تضعوا أسلحتكم في أغمدتها ، إذا كان في الميدان مطر شديد يعوق استعمالها ولقاء الأعداء ، فإنها إن لم توضع تعرضت للصدإ ، ووراء ذلك تلفها ، والاحتياط لسلامتها في الميدان واجب ، وكذلك من يكون به مرض يغمد سلاحه حتى يستطيع استعماله ، فإن تركه من غير استعمال يفسده ، فلا يصلح عند وجوبه ، وقوله تعالى : أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى الخطاب للجميع ، ويراد به البعض من وجه ؛ لأنه يبعد أن يكون جميع الجيش مريضا ، فالله تعالى يرخص للمريض في أن يدع القتال حتى يشفى ، فليس على المريض